عدد الزيارات : 3849

المتواجدين بهذا الموضوع

|

عضو أنثى مشرف عام أنثى مراقب عام أنثى مراقب أنثى عضو متميز أنثى على قائمة الإنتظار أنثى
عضو ذكر مشرف عام ذكر مراقب عام ذكر مراقب ذكر عضو متميز ذكر على قائمة الإنتظار .. ذكر

كتاب: كمال الفرح والسرور بمولد مظهر النور - Powered by VBZooM

((( منتــــدى شمــــس المعــــاني ))) قسم خزانة المنتدى كتاب: كمال الفرح والسرور بمولد مظهر النور

كتاب: كمال الفرح والسرور بمولد مظهر النور - Powered by VBZooM

الموضوع

الكاتب

كتاب: كمال الفرح والسرور بمولد مظهر النور

كمال الفرح والسرور
بمولد مظهر النور
للعلامة سيدي أحمد سكيرج رضي الله عنه
تحقيق د0 محمد الراضي كنون
الإدريسي الحسني
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم وعلى آله وصحبه.
هذا كمال الفرح والسرور بمولد مظهر النور(1) للفقيه العالم العلامة الأديب سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج أدام الله النفع به.


بمولد خير الخلق تم لنا الفرح = ولم لا وصدر المومنين به انشرح
فيا حادي العشاق فَاحْدُ بمدحه = فقد فاز من في العالمين له امتدح
وحدث بما في المولد النبوي قد = روته أناس فيه عندهم مرح
فتنتعش الأرواح عند سماعه = ويرقص من فرط السرور به الشبح
أما ومحيا منه قد أشرق الدجى = وفضل له بسائر الكون قد رجح
لقد ساد كل العالمين محمد = وفاقهم والكون لولاه ما انفتح
به فتح الله الوجود وجودُه = على يده قد عمَّمَ الكل وانفسح
فقم واسق أهل الحب فيه بخمرة = بها انكشفت عن قلبهم غمم الترح
فلا غمة إلا انجلت عند ذكره =ولا منهج إلا بأنواره اتضح
وقل لكم البشرى بحب محمد = فقوموا بأمداح بها يكمل الفرح
هنيئا لكم دوموا على الحب واعمروا = بأمداحه عمرًا تعمكم المنح
بمولده تحيا القلوب بسرده = وكل مرام بالسرور به نجح
وأكثر من الأمداح فيه فإنما =كمال السرور للمحب لمن مدح
ومدح رسول الله حمدٌ لربه =ولا حمد إلا ما بحب النبي وضح
عليه من المولى كمال تحية =بحسن قبول منه عرف لها نفح

__________
(1) - هو من أوائل مؤلفاته، فرغ من كتابته في شهر محرم الحرام سنة 1326 هـ- 1908م، ولم يقدمه للطباعة إلا في خضم عام 1333 هـ - 1915م، وهو من أبرز المواليد التي دأب الناس على العناية بها واستظهارها على ظهر قلب، إلى جانب مولد الفقيه سيدي محمد الحجوجي المسمى : بلوغ القصد والمرام، في قراءة مولد خير الأنام، وهما معا من أكثر المواليد شيوعا بين الناس، سواء من الفقراء التجانيين وغيرهم
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
نحمدك اللهم على ما تفضلت به على الوجود، من وجود ينبوع الفضل والجود. عين الرحمة الربانية، والواسطة في جميع النعم في السر والعلانية، حمد عبد أقر لك بالوحدانية في الذات والصفات والأفعال، وبالرسالة لسيدنا ومولانا محمد خاتم الأنبياء والإرسال، عليه أتم سلام، ما بقي للدوام دوام، وعلى آله الطيبين، وأصحابه أجمعين.
ما أقام الصلاة من عبد الله وقامت بربها الأشياء(1).
وبعد : فإن أفضل الأيام، وأشرف الأعياد عند خاصة الأعلام، يوم ازداد فيه سر الوجود، من بطون السر إلى مظهر الشهود، فكان أشرف مولد، فيه الرسول عليه السلام وجد.

أكرم بمولده الكريم فيومه = عين الزمان وأشرف الأعياد
يوم به الإسلام في فرح وفي = طرب ودين الكفر في أنكاد
يوم به شمس المعارف أشرقت = للكائنات بمظهر الإرشاد(2)

يوم شرف الله به الزمان الذي وجد فيه، وحصل له الفخر على غيره من الأزمان بماله من التنويه، عند كل ذي دين يصطفيه، يوم تنورت به العليا فضاءت به الدنيا، وفتحت فيه الجنان، وأغلقت فيه أبواب النيران، وكم بدت فيه من إرهاصات، وآيات باهرات(3)، فكان أعظم عيد. بطالع هذا النجم السعيد. وانسحب فضله على سائر الأيام، في كل عام، خصوصا اليوم الموافق له في الشهر الموافق للشهر الذي ازداد فيه، فهو أجل قدرا، وأتم فخرا، وأكمل إجلالا، وأفضل كمالا، ولقد أجاد من قال : عند إقبال هذا الشهر النبوي في المقال :

أهلا بسلطان الشهور فإنه = نور العيون وراحة المحزون
وربيعنا وربيع كل موفق = لم لا وفيه ولادة المأمون(4)

شهر تنجلي فيه عن القلوب الأحزان، وتمتلئ بنور الإيمان، شهر تنشط فيه نفس كل سعيد، وتنقبض فيه نفس كل شقي طريد، وتنتعش فيه الأرواح، بما ينشد من الأمداح، في الجناب الأحمدي، عليه من ربه السلام السرمدي.
__________
(1) - البيت من قصيدة الهمزية في مدح خير البرية للبوصيري وهو آخر أبيات القصيدة المذكورة.
(2) - مما هو قريب من هذه الأبيات قول الشاعر السوري أمين بن خالد الجندي في تخميسه لقصيدة الهمزية:

قل لمن هام فيه قَبْلِي وَبَعْدِي = من أولي الفضل والتقى يا ابن ودِّي
ليلة القدر لا تعادل عندي ليلة المولد= الذي كان للدِّيـنِ سرورٌ بيومه وازدهاء
(3) - من هذا الصدد قول العلامة الأديب العارف بالله سيدي محمد أكنسوس، حيث قال في بعض قصائده :

لا يمكن العد في آيات مولده = من كان للعدِّ بالآيات طماحا
إيوان كسرى غدا إذ ذاك منكسرا = وملك مالكه في الحين قد طاحا
وبحر ساوة قد غارت ينابعه = ونارهم كرماد ليس لفَّاحا
والشهب تنقض والأصنام ناكسة = والجن تنفر عند الرجم جمَّاحا
وأنزل الله في الإنجيل حليته = كما قد أنزل فيه التوراة ألواحا
وكل حبر وكهان وذي خبر = بقرب ميلاد خير الخلق قد باحا
(4)

قريب من هذا البيت قول علي ابن الجياب الغرناطي المتوفي سنة 749 هـ :

يا ربيعَ الخيْرِ شهرِ المولدِ = كَمْ يَدٍ أوليتَنا وَكَمْ يَدِ

وأيضا قول الشاعر السوداني الفاضل مدثر بن ابراهيم بن الحجاز :

اليمن أقبل نحو أمة سيدي = خير الوجود الهاشمي محمد
والسعد جاء ميمما ومعمما = لجميعها مذ جاء شهر المولد
شهر شريف فائض البركات ميـ=ـمون ومقبول كثير السؤدد

وأيضا قول الشاعر محمد الباجي المسعودي التونسي في مطلع قصيدة له :

عيد المسرة وهو شهر المولد = وافاك فانهض للمكارم واسعدِ
يرجوك ما عودت من تعظيمه = وهو الأمان فَحَيَّهَلْ للمولدِ


ومنه أيضا قول بعض مادحيه صلى الله عليه وسلم :


يقول لنا لسان الحال منه = وقول الحق يعذب للسميع
فوجهي والزمان وشهر وضعي = ربيع في ربيع في ربيع

ومنه أيضا قول العلامة العارف بالله سيدي محمد بن أحمد أكنسوس :

شهر تشرف بالإسلام حق له = بين المواسم تعظيم وتبجيل
شهر تعاظم مجدا أن يماثله = عيدُ ولا زمنُ بالفضل مشمول
شهر غدا غرة في كل مكرمة= وأين من غرَّةِ في الفخر تحجيل
فيه تكون كَوْنُ الفضل وانفتحت = أبوابه وأتانا العز والسول
فيه تفجر كل الخير منبجسا = على الخلائق طرا فهو مبذول
فيه البشائر قد لاحت أشعتها = فيه تعين للخيرات تسهيل
وزخرفت لعباد الله جنته = واستبشر الملأ الأعلى وجبريل

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما
سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم،
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.
وللتبرك بهذا الموسم المنيف، نتشرف بسرد بعض ما ورد في هذا المولد الشريف، تلذذا بسماع ذكر الحبيب المحبوب، وفرحا بالمولد المبارك على هذا الأسلوب، وقد استحسن الأفاضل من أهل العلم، ذكر ما ورد من الأثر في ذلك تنويها به وتنويرا للفهم، وإن كان لا يخلوا بعض ذلك من ضعف السند، أو وضع في الصناعة الحديثية غير معتمد، فَلْنَأْتِ ببعض ما رويناه في ذلك على هذا النسق، ونمتع به السمع والنطق والحدق، فنقول مستمدا من مدد هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم ومجد وعظم
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق
ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم،
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم
اعلموا أيها الإخوان، أمدني الله وإياكم بمدد سيد الأكوان، أن المولى جل علاه، وتعالى عمن سواه، كان كنزا لم يعرف، فأحب أن يعرف، فخلق الخلق ليعرفوه، وما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، فقبض قبضة من نوره المصون، الذي قدر ببديع حكمته أن يخترع منه ما كان وما يكون، وفق ما في علمه، فشرف تلك القبضة بخطابه المستطاب، بما يذهل الألباب، فقال : أيها النور كن عبدي محمدا، وبمحبتي مخصصا ممجدا، فلباه بالسمع والطاعة، واشتغل بالعبادة من تلك الساعة، لا يفتر عن التسبيح والتمجيد، والتقديس والتحميد، وذلك قبل خلق الأزمنة والأمكنة، بستمائة ألف سنة وأربع وعشرين ألف سنة، ثم أوجد سبحانه وتعالى اثني عشر حجابا، لبث في كل حجاب منها سنينا وأحقابا، مشتغلا بطاعة مولاه، مستعملا كليته في شكره على ما أولاه، وهي حجاب القدرة، وحجاب العظمة، وحجاب المنة، وحجاب الرحمة، وحجاب السعادة، وحجاب الكرامة، وحجاب المنزلة ، وحجاب الهداية، وحجاب النبوة، وحجاب الرفعة، وحجاب الطاعة، وحجاب الشفاعة.


حجب تكامل قدرها لولا سنى = من نوره لعرى الورى اضمحلال
فتجمعت في روحه أنوارها = وبنوره قد حفها إجلال

وكلها منه وإليه، ومدارها في الحقيقة عليه، فكان منفردا قبلها بربه، وزاده بعد إيجادها سرًا مشعرًا بكمال قربه، فهي حجب لغيره، وليست تحجبه عن خيره.

فكان بها في غاية القرب وهي من = سناه تدلت كي يصان ظهوره
وصيره المولى حجابًا لذاته = ولولا سناه أحرق الكون نوره

وبعد إبداعه لهذه الحجب الرفيعة المقام، أمره مولاه بالإقامة في حجاب القدرة اثني عشر ألف عام، وكان ذكره في ذلك الحجاب الأغلى، سبحان ربي الأعلى، وفي هذا الحجاب الأول، ألبس من لباس الفضل ما تحقق به أنه لكل مكرمة أهل.


رسول الله عظمه الإله = وأوجد منه سائر ما براه(1)

ثم أمره بالإنتقال لحجاب العظمة، فأقام فيه أحد عشر ألف عام، وكان ذكره في هذا الحجاب الحفي، سبحان عالم السر الخفي، وفي هذا المقام انكشفت له الأسرار التي لم يطلع عليها إلا مولاه، ولم يعرفها سواه.

وبالفتح اللدني قد تجلى = له في حضرة فيها اصطفاه
له انكشفت حقيقة كل سر = ولم يدرك حقيقته سواه(2)

ثم أمره الحق بالانتقال إلى حجاب المنة، فمكث فيه عشر آلاف سنة، وكان ذكره فيه للمولى، سبحان الرفيع الأعلى، وفيه امتن الحق عليه بأصناف المنن بما لم تنكشف حقيقة ظاهر النزر منها لأحد إلا له، ثم أمره بالانتقال إلى حجاب الرحمة فأقام فيه تسعة آلاف سنة، وكان فيه ذكره للمولى الكريم، سبحان الرؤوف الرحيم، وفي هذا الحجاب الجليل النعمة، تحقق بأنه صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة.

فأيقن أنه خير البرا = أن الله قد أعلا علاه

ثم انتقل محفوفا بالكرامة والسيادة، إلى حجاب السعادة، فأقام فيه ثمانية آلاف سنة، وكان فيه ذكره مدة النزول، سبحان من هو دائم لا يزول، وهناك تحقق بأن السعادة منه وإليه، وأن الخير لا يجري إلا على يديه.


وأيقن أنه للخير باب = وأن الخير ما بذلت يداه

ثم انتقل إلى حجاب الكرامة، فأقام فيه سبعة آلاف سنة، وهو في غاية التعظيم، وذكره فيه سبحان العليم الحليم، وفيه انكشف له على من سيوجد من الخلائق على اختلاف أجناسهم.

فأبصر كل ما سيفيض منه = وكل مكون حقا رآه

ثم انتقل إلى حجاب المنزلة، فأقام فيه ستة آلاف سنة، وكان ذكره في هذا المقام الجسيم، سبحان ذي الملك العظيم، وفي هذا الحجاب تحقق بالخلافة الكبرى عن مولاه، في سائر مملكته التي لم يتصرف فيها سواه.

تحقق بالخلافة في وجود = عن المولى بجود قد حباه

ثم انتقل إلى حجاب الهداية، فأقام فيه خمسة آلاف سنة، وكان ذكره للمولى الكريم سبحان رب العرش العظيم، وفي هذا المقام تحقق بما هو المقصود من إرشاد الخلق للحق، فاستوى على عرش الهداية في حضرة الغيب بلسان الصدق.

تحقق أنه المقصود حقا = وما في الخلق من يرقى علاه

ثم انتقل لحجاب النبوة، فمكث فيه أربعة آلاف سنة، فتحقق في هذا المقام بنبوته قبل نبوة غيره من الأنبياء عليهم السلام، وكان ذكره فيه للمولى العظيم، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

فأضحى رافعا منشور رشد = وكل الخلق قد صاروا وَرَاهُ

ثم انتقل إلى حجاب الرفعة، فأقام فيه ثلاثة آلاف سنة، وكان ذكره فيه سبحان الملك القدوس، وفي هذا المقام رفع الله ذكره، وعظم قدره.

ويوم ألست سارع قبل كل =لقول بلى ولولاه لتاهوا(3)

ومن هذا المقام انتقل لحجاب الطاعة، فمكث فيه ألفي سنة، وذكره في هذا المقام العلي، سبحان القديم الأزلي، وفيه تحقق بسر العبودية، وأفرغ عليه ما لا يكيف من الأسرار الألوهية.

تيقن أنه عبد حقيقي = فوحد ربه جل ثناه

ثم انتقل لحجاب الشفاعة، وأقام فيه ألف عام، وذكره المشروح، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وفي هذا المقام فتح عليه بما لا يفتح به على غيره، وتحقق بما فاض عليه من مواهب ربه وخيره، ورمز على ذلك، بقوله عليه السلام : لا يعرفني حقيقة غير ربي.

عليه بلا انتها أزكى سلام = من الرحمن يشمل من تلاه

صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) - قريب من هذا البيت قول العلامة الأديب سيدي محمد بن عبد الرحمان ابن زكري الفاسي :

أنت أصل الوجود فالكون من فـ=ـرش إلى العرش منك ما أزكاكا
لولا جاهك لم يكن له كون = ولدام انعدامه لولاك

(2) - إشارة للحقيقتين الأحمدية والمحمدية، وهما من أشرف الحضرات العلية، وقد تحدث عنهما الشيخ أبو العباس التجاني رضي الله عنه طويلا في كتابه جواهر المعاني فلينظره من أراد التوسع في هذا الصدد. ورحم الله الشيخ البوصيري إذ يقول في بردته :

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته= قوم نيام تسلوا عنه بالحلم

وفي الموضوع نفسه يقول العلامة الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله :

لا يعلم الناس في الدنيا حقيقته = فالعقل عنها بحبل العجز معقول
وفي القيامة تبدو شمس رتبته = كأنها فوق هام الخلق إكليل
يجر في الحشر ذيلا من سيادته = بفضله كل خلق الله مشمول

(3) - قريب من قول العلامة سيدي حمدون بن الحاج السلمي :

ويومَ ألستُ كان أَوَّلَ قائل = بلى فَهْوَ ذُو التقديم ليس له سِوَى

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر
الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره
ومقداره العظيم.
ولما مرت هذه الأعوام والسنون، في هذه الحجب على هذا النور المصون، ووفى بطاعة مولاه، على وفق ما حكم به قضاه، أمره بالسباحة والغوص في عشرة أبحر، وهي بحر النظرة، وبحر الرحمة، وبحر المحبة، وبحر القدرة، وبحر الكرامة، وبحر السخاء، وبحر الهداية، وبحر الشفاعة، وبحر الحكمة، وبحر المعرفة، فامتثل الأمر، وسبح منها بالتسبيح في كل بحر، وأثنى على الله بما هو أهله في هذه الأبحر الواسعة، ذات الأنوار الساطعة، ونال في كل بحر منها ما لا تكيفه العقول، وتكل عن النظر فيه أبصار ذوي البصيرة من أهل الوصول.


بحور أسرار ذات لا تكيفها = عبارة وهي من سر الألوهية
لها حقائق لكن ليس يدركها = عقل وفيها كمالات العبودية

ففي بحر النظرة، اختص بنظرة سبق بها الأولين والآخرين، وفي بحر الرحمة صار رحمة للعالمين، وفي بحر المحبة اصطفاه ربه سبحانه بها على الأنبياء والمرسلين، وفي بحر القدرة اقتدر على الفضائل النفسانية على وجه الكمال بقدرة رب العالمين، وفي بحر الكرامة اختص بالكرامات التي لا يعلم حقائقها إلا أحكم الحاكمين، وفي بحر السخاء تجلى بحلية الجود والسخاء فكان من جوده وجود سائر المخلوقين، وفي بحر الهداية صار هاديًا للهادين والمهتدين، وفي بحر الشفاعة أخذ بالحظ الأوفر حتى غرق في بحر شفاعته سائر الموحدين من العصاة والمطيعين، وفي بحر الحكمة نال حكما لم يشم رائحتها سائر الحُكماء والحاكمين والمحكمين، وفي بحر المعرفة فاض عليه من المعارف والأسرار واللطائف والأنوار ما لا يقدر قدره إلا الله الذي خلقه(1). فتبارك الله أحسن الخالقين.


حباه ما قد حباه من مواهبه = وخصه بكمال في محاسنه
فلم يطق أحد إيفاء ظاهره = بما استحق فكيف مدح باطنه(2)

__________
(1) - بدليل قوله تعالى : وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما. إهـ.. سورة النساء، الآية 113.
ورحم الله بعض العلماء إذ يقول في مدحه صلى الله عليه وسلم :

فإن تك فاتح الخيرات طرا = فإنك قد ختمت المرسلين
علوم الآخرين عليك قصت = وقد أوتيت علم الأولين

وكذلك قول بعضهم في مدحه :

عرضت عليه كنوز الأرض فلم يرد = علما بأن مصيرها لذهاب
وإذا سألت عن العلوم فإنه = لمدينة مفتوحة الأبواب

(2) - لا يستطيع أحد مهما بلغ من المرتبة أن يفي في مدحه بحق النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن يلم بقدره وشمائله وأخلاقه، فذلك من باب المستحيل، إذ ليس في مقدور عقولنا القاصرة أن تلج هذا البحر الخضم المتلاطم الأمواج، ولهذا وقفت الأولياء عند ساحله، وما لا يؤخذ كله لا يترك كله، ويكفيه فخرا ما مدحه الله عز وجل به في أول سورة نون حيث قال : وإنك لعلى خلق عظيم.
ويرحم الله العلامة ابن الخطيب التلمساني إذ يقول في هذا المعنى :

يا مصطفى من قبل نشأة آدم = والكون لم تفتح له الأغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعدما = أثنى على أخلاقك الخلاق

وروي أنه أَخْبَرَ بعد موته في النوم أنه غفر له بسبب هذين البيتين.
ومن هذا القبيل أيضا قول العلامة سيدي محمد بن عبد الرحمان ابن زكري في آخر همزيته :

قصر القول فالجناب رفيع = من يطاوله أعجزته السماء
وارض بالعجز غاية فقديما = عجزت عن وصوله الشعراء

قال الزركشي : ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء كأبي تمام والبحتري وابن الرومي لمدحه صلى الله عليه وسلم، وكان مدحه عليهم من أصعب ما يحاولونه، فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل علو في حقه تقصير، فيضيق على البليغ مجال النظم. إهـ..
ومما هو مناسب لهذا الموضوع أن بعضهم لام الشاعر أبا نواس على عدم مدحه لمعاصره الشريف علي الرضا بن موسى الكاظم حفيد سيدنا الحسين رضي الله عنه، فقال أبو نواس :

قيل لي أنت أحسن الناس طرا= في فنون من المقال النزيه
لك من جيد القريض مديح = يتَّمَ الدُّرَّ في يدي مجتنيه
فعلى مَ تركت مدح ابن موسى = والخصال التي تَجَمَّعْنَ فيه
قلت لا أستطيع مدح إمام = كان جبريل خادمًا لأبيه


اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر
الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره
ومقدراه العظيم
ولما سبح هذا النور، في هذه البحور، وخرج في كمال البهجة متلألأ، وبالحب الإلاهي ممتلئا، نظر المولى إليه بنظرة الرضى والقبول، فترشح النور عرقا في حضرة الوصول، فقطرت منه مائة ألف وأربع عشرون ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة روح نبي أو رسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء عليهم السلام، فخلق الله من أنفاسهم نور الأولياء و السعداء و المطيعين من المومنين، ومن ظلهم وجدت أرواح غيرهم، و بقي الجميع ساجدا لمولاه، والنور المحمدي يمدهم وهم ساجدون كل على قدر ما تحمله آنيته بتوفيق الله.


وكلهم من رسول الله ملتمس = غرفا من البحر أو رشفًا من الديم
وواقفون لديه عند حدهم = من نقطة العلم أو من شكلة الحكم(1)

ولم يزل هذا النور المحمدي سابحًا في العوالم بالإذن الإلهي بعد أن أوجدها عنه في حال إقامته في تلك الحجب الربانية، وفي حال سباحته في تلك الأبحر العرفانية، وأبرزته القدرة منه على أبدع تنظيم، وفق ما جرى في العلم القديم، فسار فيها مسير البدر في الشرف، وصار مسبحا للمولى وهو يرى تولدها منه وهي محيطة به كالجوهرة في الصدف، وفي تنقلاته في تلك المراحل، ازدادت ابتهاجا بنوره الكامل، وهو يقول في ذكره، سبحان العالم الذي لا يجهل، سبحان الجواد الذي لا يبخل.


إن نور النبي نور عظيم = بجميع الأكوان أضحى منيرًا
فأضاء الوجود منه وأضحى =كل نور من نوره مستعيرًا(2)

__________
(1) - البيتان من قصيدة البردة للإمام البوصيري وهما تحت رقم
(2) - قريب من هذين البيتين قول العارف بالله سيدي عمر ابن الفارض :


روح الوجود حياة من هو واجد = لولاه ما تم الوجود لمن وجد
عيسى وآدم والصدور جميعهم = هم أعين هو نورها لما ورد
لو أبصر الشيطان طلعة نوره = في وجه آدم كان أول من سجد
أو لو رأى النمرود نور جماله = عبد الجليل مع الخليل وما عند
لكن جلال الله جلَّ فلا يرى = إلا بتخصيص من الله الصمد


وكذلك قول العلامة محمد بن عبد الرحمان ابن زكري :


محمد ممد كل العالمين = أهل السماوات وأهل الأرضين
مدده في العالم العلوي = له سراية وفي السفلي


اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر
الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق
قدره ومقداره العظيم

ثم أن الله تعالى استخرج من هذا النور جوهرة نيرة، وأشار إليها فانفلقت فلقتين، فنظر لإحدى الفلقتين بنظرة الهيبة، وللأخرى بنظرة الشفقة، أما التي اختصت بنظرة الهيبة فتكون منها المياه الجارية، والبحار والأنهار والسماوات والأراضون والجنة والنار، وأما التي تشرفت بنظرة الشفقة فخلق منها العرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة المكرمين حملة العرش وغيرهم من عالين وكروبين، فاشتغلوا بالتسبيح والتقديس والصلاة والسلام على هذا النور المقدس وهم محيطون به، ومستمدون منه، سائرون حيث سار، وانتشروا في الكون أي انتشار.


وكلهم قد غدا يبدي الثناء على = محمد بالذي ما قاله ثان
وعطر الكون من شكر الإله على = ما خصه منه من سر وإعلان

ثم أمر القلم بالكتابة فانشق من هيبة الأمر وسجد لمولاه، وكتب على لسان الحضرة الإلاهية : بسم الله الرحمن الرحيم إنني أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي، فلما تشرف القلم بذلك الخطاب، وَرَأَى ما ألهم إليه من كتبه ذلك على اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب، قال سبحانك لا إله إلا أنت يا رب من هذا الذي قرنت إسمه باسمك، فخوطب القلم : أيها القلم بعزتي وجلالي لولا محمد ما خلق أحد(1)، وما خلقت الخلق إلا لأعرفهم كرامة محمد ومنزلته عندي، فدهش القلم من حلاوة الخطاب، وألهمه الله أن يقول: السلام عليك يا محمد، فأجيب القلم من الحضرة: وعليك السلام أيها القلم ورحمتي وبركاتي، ثم ألهم بكتابة ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، حتى آل أمر الكتابة إلى ذكر أحوال الأمم، فكتب في حَقهم أن أتقياءهم ومطيعيهم في الجنان، وأن عصاتهم وبغاتهم في النيران، حتى انتهى إلى أمة سيدنا محمد عليه السلام، فأراد أن يكتب على ذلك النسق، فخوطب من الجناب الأكرم : تأدب يا قلم، يا قلم أكتب في حق أمة حبيبي محمد : أمة مذنبة ورب غفور.


بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا = من العناية ركنا غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته = بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم(2)

__________
(1) عن هذا الصدد يقول العلامة العارف بالله سيدي محمد أكنسوس :
محمد حجة الأكوان علة ما = في الكون من رحمة تبدو وامداد

لا شيء من هذه الدنيا وضرَّتها= إلا منوطًا بأحمد وحماد
من أجله دارت الأفلاك وابتهجت= حور الجنان ابتهاجا غير معتاد
لولاه ما بعث الرسل الكرام ولا = تنزل الوحي تنزيلا لإرشاد
لولاه ما أمسك الله السماء ولا = أرسى بحكمته أرضا بأوتاد
لولاه ما أخرجت أرض زخارفها = وابتهجت بين أغوار وأنجاد
ولا لساكنها أجرت مذانبها = ولا استقرت بأشباح وأجساد
فهو النبيء الذي حقت نبؤته = وآدم بَعْدُ في طين وآتاد

(2) - البيتان من قصيدة البردة للشيخ محمد بن سعيد البوصري، رقم 114 و115
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق،
ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله
حق قدره ومقداره العظيم.

ولما أراد المولى أن يجعل في الأرض الخليفة، وأن يظهر للوجود هذه الخليقة، ليشرف الكون بمولد الذات المحمدية الشريفة، أمر عزرائيل أحد الملائكة الكرام، عليهم السلام، بأن يقبض من جميع أمكنة الأرض ما يتشرف بالقبض، فامتثل الأمر، ونزل إلى الأرض، وأخذ من جميع نواحيها من الطول للعرض، قبضة من تراب الزوايا الأرضية، لتكون منه الذات الآدمية.


فأضحى للتراب رفيع قدر = لسر تواضع في طبع ذاته
فشرفه الإله فكان منه = وجود الآدمي في كائناته

ثم أمر المولى الملك جبريل عليه السلام أن ينزل إلى الأرض بجماعة من سادات الملائكة المتصفين بكمال الأدب، وأن يأخذ من أشرف مكان في الأرض قبضة تراب، فنزل بالملائكة المأمورين إلى البقعة المقدسة، التي هي قبر سيد المرسلين، فأخذ ما أمر بأخذه من تلك القبضة، التي هي أبيض من الفضة، وصعد بها إلى عين التسنيم، في جنة النعيم، فعجنت بمائها، وغسلوها في جميع أنهار الجنان، حتى صارت كالكوكب الدري في البريق واللمعان، وسار بها جبريل مع طائفة من الملائكة الأبرار، في السموات والأراضين والبحار وسائر الأقطار، ليعلم سائر الأنام، بشرف هذه الطينة المحمدية عليها السلام، فاعترف بفضله في عالم الغيب سائر الأرواح، وأخذ على ساداتها الميثاق بمتابعته قبل حُلولها في الأشباح، ثم ضمت هذه الدرة المكنونة، إلى الطينة الآدمية المصونة، وصور الجسد الآدمي بيد القدرة، ووضع النور المحمدي الذي هو أصل الأنوار في صلب هذا الجسد الكريم، والذي خلق في أحسن تقويم، وأمر الملائكة له بالسجود، تشريفا لسيد الوجود، فسجدوا طبق ما أمروا به، وبالسجود له ظفر كل واحد منهم بكمال مرغوبه.


شرف الله بالسجود إلى آدم = أهل الكمال من أملاكه
وحباهم بالامتثال رضاه = فعلا قدرهم على أفلاكه

ثم صارت الملائكة الكرام، تصطف وراء ظهر آدم عليه السلام، للتمتع بالنظر للنور المحمدي المستودع في صلبه، فسأل آدم مولاه حين علم باصطفائه، أن يكشف له عن موجب اصطفاف الملائكة من ورائه، فأجيب من الحضرة بأن ملائكتي ينظرون إلى نور حبيبي محمد، الذي أودعته في صلبك، وسوف يخرج من صلب إلى صلب متقلبًا في الساجدين، وهو خاتم النبيئين والمرسلين، فسأل آدم ربه أن يجعل هذا النور في جبهته، لتواجهه الملائكة ، فنقل النور المكنون لجبهته، وتشرفت بذلك لكونها محل السجود، للمولى المعبود، فأشرق في جبهته مثل الشمس المنيرة، ثم سأل من ربه الأعلى أن ينقل ذلك النور الأبهى إلى عضو من أعضائه يمكن النظر إليه، ليتنعم برؤيته، فنقل إلى أصبعه المسبحة، وتشرفت بذلك لتحركها في التشهد بالإشارة للتوحيد، ثم زينت ببقية النور أصابعه الباقية، فوضع نور أبي بكر في الوسطى، ونور عمر الفاروق في البنصر، ونور عثمان في الخنصر، ونور علي في الإبهام، وذلك من سر خلافتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم
لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم،
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

ولما تم خلق سيدنا آدم عليه السلام، ووضع فيه النور المحمدي في أحسن انتظام، طافت به الملائكة الكرام، في بقاع الأرض والسموات كلها مقدار مائة عام، حتى وقفوا به على كل شيء من عجائب ما خلق من أصل الأنوار، وعلمه الله من الأسماء والمسميات ما لم يعلمه غيره من الملائكة الأبرار، ولما وصلوا به لباب الجنة، ألقى الله عليه النعاس، فأخذت عينه سنة، فخلق منه حواء عليها السلام من ضلعه اليسرى، فلما هب من نومه رآها عند رأسه كأحسن ما خلق الله، فقال لها : من أنت ؟ قالت : أنا زوجتك، خلقني الله لك تسكن إلي وأسكن إليك، فقالت الملائكة عند ذلك : يا آدم ما هذه ؟ قال: امرأة. قالوا : لما سميت بذلك ؟ قال : لأنها خلقت من المرء، قالوا : وما إسمها ؟ قال : حواء، لأنها خلقت من حي، قالوا : أتحبها ؟ قال : نعم.


فكان لها نعم المحب لأنها = ستحمل ذاك النور منه وتحفظه
فأكرم بها من زوجة شرفت به = وأكرم به زوجا بها الأنس يلحظه

ولما رام القرب منها طلبت منه المهر. فقال : يا رب ماذا أعطيتها . قال : يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة. فعند ذلك زوجها الله إياه.


أعظم به من صداق قد غلا ثمنا = ولا صداق له بال يعادله
فكان مهرًا مباركًا لها وبه = لآدم تم ما غدا يحاوله

ثم خطب الحق خطبة الرضى. وفق ما جرى به القضا. فقال : الحمد ثنائي. والعظمة إزاري.والكبرياء ردائي. والخلق كلهم عبيدي وإماءي. اشهدوا يا ملائكتي وحملة عرشي وسكان سماواتي. أني زوجت حواء أمتي عبدي آدم. بديع فطرتي. وصنع يدي. على صداق تقديسي وتسبيحي وتهليلي. يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة. ولا زال آدم معها في خير ونعمة. حتى دلاهما اللعين بغرور. حسدًا لهما فيما رآهما فيه من النعمة والسرور. بعدما طرد من الرحمة لأجل آدم عليه السلام.لامتناعه من السجود الذي تشرفت به الملائكة الكرام. فكان من فرح إبليس المطرود من رحمة الله مخالفتهما في الظاهر بما نَهَاهُمَا عنه الله. ولم يعلم ما في تلك المخالفة النفسانية. من ثبوت سر الخلافة الربانية. ليقضي الله أمره. ويظهر للوجود سره. على وفق ما قضاه في سابق العلم من إيجاد النسل الآدمي للعيان. وتشريفه بوجود سيد ولد عدنان
صلى الله عليه وسلم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق. والخاتم لما سبق.
ناصر الحق بالحق. والهادي إلى صراطك المستقيم.
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

ثم إن الله تعالى بعدما رد نور الحبيب إلى صلب آدم عليه السلام. قال له : تطهر يا آدم وسبح وقدس. واغش زوجتك على طهارة منك ومنها : فإني مخرج منك ذلك النور المحمود. ليتشرف به الوجود. ففعل آدم ما أمره به ربه. فنقل الله نور حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه الطاهر إلى رحم حواء الطاهرة. فكان في حضرة الأنس يرى في وجه حواء دارة كدارة الشمس. فلما وضعت سيدنا شيت عليه السلام انتقل النور إلى جبينه(1). فلما كبر وأخذ حد الرجال. أخذ عليه آدم العهد والميثاق. أن لا يضع هذا السر إلا في المطهرات من النساء. ليصل إلى المطهرين من الرجال. فما زالت تلك الأمانة تنتقل من أصلاب الرجال الأخيار. إلى المحصنات من النساء الأطهار. إلى أن وصل ذلك السر الباهر. الذي وصل من طاهر لطاهر. إلى سيدنا عبد الله بن عبد المطلب. والد سيد الأنام عليه السلام(2). حتى انتقل إلى رحم مولاتنا آمنة ابنت وهب. والتي وهب الله لها هذا النبي الكريم ولدا. وأكرم به من مولود عم الكون مددًا.


تنقل من صلب طهور لطاهر = لطاهرة ميمونة الفرع والأصل
وما مس هذا النور عند انتقاله = مع الطول نقص في اتصال وفي فصل
إلى أن تناهى عند آمنة على = أمانة عبد الله حامل ذا الفضل


__________
(1) - مما قيل في هذا الصدد قول الشيخ يحي الصرصري رحمه الله ورضي عنه :

لذاك آدم لما قام معتذرا = إذ غره من عدو الله تسويل
دعا به فأجاب الله دعوته = وكان منه له قرب وتبجيل
وزانه نوره أيام مَهْبِطِه = كأنَّما هو فوق الوجه قنديل
وأُودِعَتْ نوره حواءُ فابتهَجت = وكان منه لها تاج وإكليل
وبالأبوة شيث نال منفردا = شأوًا من الفضل لم يدركه هابيلُ
وحلَّ في صُلب نوح في السفين وفي = صُلْبِ الخليلِ وللنيران تشعيلُ
والمدية انقلبت عند الذبيح لِمَا = مِنْ نوره فيه مكنون ومجبول
ولم يزل بصحيح العقد يودعه الـ=ـزهر الطواهر آباء بَهاليل
حتى استقرت له في هاشم قدم= لها من المجد تفريع وتأصيل
وأحرز النور عبد الله فهو به = ناج من الذبح تفديه الشماليل
ثم استقلت به الزهراء آمنة الـ=ـحصان لم يلقها في الحمل تثقيل

(2) - إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم : أهبطني الله في صلب آدم، وجعلني في صلب نوح، وقذف بي في صلب إبراهيم، ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب والأرحام الطاهرة حتى أخرجني بين أبوايا، لم يلتقيا على سفاح قط. إهـ.. أنظر الشفا في التعريف بحقوق المصطفى، للقاضي أبي الفضل عياض 2 :33. جامع الأحاديث والمراسيل (حرف الكاف) 5 :464 رقم 16002

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق. والخاتم لما سبق.
ناصر الحق بالحق. والهادي إلى صراطك المستقيم.
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.
وقد ورد أن الله عز وجل أمر جبريل عليه السلام في ليلة زفاف سيدتنا آمنة إلى سيدنا عبد الله. أن ينادي في الأكوان بالتبشير. بقدوم هذا الحبيب البشير النذير.فنادى بأعلا صوته : يا حملة العرش. و يا أهل السدرة، و يا أهل الجنة. ويا أهل السماوات. ويا أهل الأراضين. إن كلمة الله قد تمت. وحكمته نفذت. ورحمته قد عمت. وإنه سبحانه أنجز وعده بإيجاد النبي الأمين. سيد الخلق أجمعين. خاتم النبيئين وإمام المرسلين.المبعوث رحمة للعالمين. المسمى بمُحمد وأحمد وطه وياسين. الناسخ بدينه كل دين.وهاهو الآن بإذن الحكيم الخبير. المعطي لكل شيء خلقه بحسن التدبير. قد قدم من عالم الأرواح. إلى فضاء الأشباح. و أودع نور دره المصون. بحفظ الرب في رحم آمنة ابنت وهب. وقد حق الهناء بهذا الطالع الميمون. فلما سمعت الملائكة هذه البشارة ضجوا بالتقديس والتسبيح والتمجيد والتهليل. وأثنوا على الله بما هو أهله. وهنت الملائكة بعضهم بعضا. وأظهروا البهجة والسرور. وكمال المبرة والحبور. فرفع الحق عنهم حجب الأنوار. وتجلى لهم برضاه عنهم كرامة لقدوم حبيبه النبي المختار. ثم نزلت الملائكة المكرمين بالإذن الإلاهي. وتفرقوا في أقطار الأرض. من الطول للعرض. وانتشروا في الكون أي انتشار. مبشرين بقدوم هذا المصطفى المختار. فابتهج الكل بهذه البشارة. وسقطت أصنام الأرض على الوجوه.وصاح إبليس صيحة هائلة(1). ودعا على نفسه بالويل والوبال. وعلى أعوانه وجُنوده بالخسار و النكال. فدهمته الشهب المحرقة. وأزعجته عن الخروج عن كل منطقة. وتشتت شمل أعوانه وجنوده. ومزقت جميع أعلامه وبنوده(2). إجلالا لقدوم هذا الطالع الميمون. والنور المصون. صلى الله عليه وسلم.

__________
(1) - قال بعض الأدباء في هذا الصدد :


لمولده قد رن إبليس رنة = فسحقًا له ماذا يفيد رنينه


(2) - قال في السيرة الحلبية : روي أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، ثم تجاوز سماء الدنيا إلى غيرها، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام منعوا من مجاوزة سماء الدنيا، وصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا، حتى ولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمنعوا من التردد إلى السماء إلا قليلا، أي فصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا في بعض الأحايين، وفي أكثر الأحايين يسترقون دونها، حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فمنعوا أصلا، فصاروا لا يسترقون السمع إلا دون سماء الدنيا. إهـ..أنظر السيرة الحلبية، باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم 1 : 109

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق. والخاتم لما سبق.
ناصر الحق بالحق. والهادي إلى صراطك المستقيم.
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.
قالت مولاتنا آمنة: حملت بحبيبي محمد صلى الله عليه وسلم في رجب. وكنت ليلة من الليالي في خلال ذلك الشهر في لذيذ المنام. إذ دخل حجرتي رجل له جمال ورائحة طيبة وأنوار. وقال : مرحبا بك يا محمد. فقلت من أنت يا صاحب الأنوار؟ قال : أنا أبو البشر آدم. فقلت : أي شيء جاء بك. فقال : يا آمنة لك البشرى. فإنك حملت بسيد البشر.


لك البشارة يا شبيهة القم = فقد حملت بخير الخلق والبشر


قالت : وفي الشهر الثاني دخل حجرتي رجل مبارك. وقال : السلام عليك يا رسول الله. فقلت : من أنت؟ فقال : أنا شيث. فقلت : ما جاء بك؟ فقال : لك البشارة يا آمنة فقد حملت بصاحب التأويل والحديث.


لك البشارة بالنبي الذي سطعت = أنواره وأتى بمحكم السور


وفي هذا الشهر سافر سيدنا عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يترب بإذن والده عبد المطلب، بقصد تحصيل الأمنية، فأصابته في طريقه المنية.


ومن كانت منيته بأرض = فليس يموت في أرض سواها


وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، فبلغ الخبر إلى مولاتنا آمنة فقالت فيه :


عفا جانب البطحاء من آل هاشم = وجاوز لحدًا خارجًا في الغماغم
دعته المنايا دعوة فأجابها = وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
عشية زادوا يحملون سريره =تعاوده أصحابه في الترَاحم
فإن يك غالته المنايا وريبها = فقد كان معطاءً كثيرَ التراحم

وقد ورد أنه لما توفي سيدنا عبد الله(1) ، قالت الملائكة : إلاهنا وسيدنا صار نبيك بلا أب، فبقي من غير حافظ ومرب، فقال الله تعالى : أنا وليه وحافظه وحاميه ومربيه، وعونه ومراقبه وكافيه، قالت مولاتنا آمنة : ثم إنه في الشهر الثالث من حملي دخل حجرتي شخص رئيس، وقال : السلام عليك يا نبي الله ؟ فقلت من أنت ؟ قال : إدريس، ولك البشارة يا آمنة فقد حملت بالدر النفيس.


لك البشارة يا أم النبي فقد = حملت بالمصطفى المختار من مضر


قالت : وفي الشهر الرابع ظهر في حجرتي رجل له نور يلوح، وقال : السلام عليك يا حبيب الله، فقلت : من أنت ؟ فقال: أنا نوح، ولك البشارة يا آمنة لأنك حملت بصاحب النصر والفتوح.


لك البشارة بالحبيب سيدنا = محمد خير أهل البدو والحضر


قالت : وفي الشهر الخامس دخل حجرتي شخص ذو فضل مشهود، وقال : السلام عليك يا صفوة الله، فقلت : من أنت ؟ فقال أنا هود، ولك البشارة يا آمنة لأنك حملت بأفضل مولود.


لك البشارة بالبشير سيدنا = محمد منقذ الأحباب من سقر


قالت : وفي الشهر السادس ظهر في حجرتي رجل فضله جليل، وقال : السلام عليك يا رحمة الله، فقلت : من أنت ؟ فقال : إبراهيم الخليل، قلت جئت لتشرفنا بقدومك المبارك، فقال : لك البشرى يا آمنة فقد حملت بالنبي الجليل.


حملت يا ابنة وهب بالنبي وقد = وافت لحضرتك البشرى مع الظفر


قالت : وفي الشهر السابع دخل حجرتي رجل ذو وجه مليح، وقال : السلام عليك يا من اختاره الله، فقلت : من أنت ؟ فقال: أنا إسماعيل الذبيح، ولك البشارة يا آمنة فقد حملت بصاحب الفضل الصحيح.


حملت بالمجتبى خير الوجود ومن = تمت محاسنه بالحسن والخفر


قالت : وفي الشهر الثامن دخل حجرتي رجل كريم، وقال : السلام عليك يا خيرة الله، فقلت : من أنت ؟ قال : أنا موسى الكليم، ولك البشارة يا آمنة فقد حملت بمن نزل عليه القرآن العظيم.


لك البشارة يا ذات الجمال فقد = ظفرت بين النسا بخير مدخر


قالت : ولما دخل الشهر التاسع بالسعادة والإقبال، دخل علي رجل ذو جمال، وهو يبتسم، وقال : السلام عليك يا رسول الله، قد قرب قدومك، فقلت : من أنت ؟ قال : أنا عيسى ابن مريم، ولك البشارة يا آمنة فإنه النبي المكرم، والرسول المعظم.


لك البشارة بالذي أتى بهدى = للعالمين وفيه منتهى الوطر


__________
(1) - جاء في الحديث : أحيا الله أبوي النبي صلى الله عليه وسلم حتى آمن به. أنظر كشف الخفاء ومزيل الألباس، للعجلوني (حرف الهمزة مع الحاء المهملة) رقم 150، وقد ألف الحافظ السيوطي في هذا الصدد تأليفا سماه : مسالك الحنفا في إسلام والدي المصطفى.
وللإمام السيوطي أبيات في هذا الموضوع قال فيها :

إن الذي بعث النبي محمدا = نجى به الثقلين مما يجحف
ولأمه وأبيه حكم شائع = أبداه أهل العلم فيما صنفوا
فجماعة أجروهما مجرى الذي = لم يأته خبر الدعاة المسعف
والحكم فيمن لم تجئه دعوة = أن لا عذاب عليه حكم يؤلف
فبذاك قال الشافعية كلهم = والأشعرية ما بهم متوقف
وبسورة الإسراء فيها حجة = وبنحو ذا في الذكر آي تعرف
ولبعض أهل الفقه في تعليله = معنى أرق من النسيم وألطف
إذ هم على الفطر الذي ولدوا ولم = يظهر عناد منهم وتخلف
ونحى الإمام الفخر رازي الورى = معنى به للسامعين تشنف
قال الأولى ولدوا النبي المصطفى = كل على التوحيد إذ يتحفف
من آدم لأبيه عبد الله ما = فيهم أخو شرك ولا مستنكف
فالمشركون كما بسورة توبة = نجس وكلهم بطهر يوصف
وبسورة الشعراء فيه تقلب = في الساجدين فكلهم متحنف
هذا كلام الشيخ فخر الدين في = أسراره هطلت عليه الذرف
فجزاه رب العرش خير جزائه= وحباه جنات النعيم تزخرف
فلقد تدين في زمان الجاهلـ=ـية فرقة دين الهدى وتحنفوا
زيد بن عمرو وابن نوفل هكذا الـ=ـصديق ما شرك عليه يعنف
قد قرر السبكي بذاك مقالة = للأشعري وما سواه مزيف
إذ لم تزل عين الرضا منه على الـ=ـصديق وهو بطول عمر أحنف
عادت عليه صحبة الهادي فما = في الجاهلية للضلالة يعرف
فلأمه وأبوه أحرى سيما = وارت من الآيات ما لا يوصف
وجماعة ذهبوا إلى إحياءه = أبويه حتى آمنا به واحتفوا
وروى ابن شاهين حديثا مسندا = في ذاك لكن الحديث مضعف
هذي مسالك لو تفرد بعضها = لكفى فكيف بها إذا تتألف
وبحسب من لا يرتضيها صمته = أدبا ولكن أين من هو منصف
صلى الإله على النبي محمد = ما جدد الدين الحنيف محنف

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق. والخاتم لما سبق.
ناصر الحق بالحق. والهادي إلى صراطك المستقيم.
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

قالت مولاتنا آمنة في الليلة الأولى من ربيع الأول حصل لي كمال السرور والهنا، والتبشير ببلوغ المنى، وفي الليلة الثانية انشرح صدري، وارتفع على كل النساء قدري، وفي الليلة الثالثة سمعت قائلا يقول : إن الذي يقول بحمد الله وشكره قد قرب قدومه إلى عالم الظهور، بالنور والحبور، وفي الليلة الرابعة سمعت تسبيح الملائكة وتقديسهم للرب بمسرة ورود الحبيب، وفي الليلة الخامسة رأيت في المنام إبراهيم خليل الرب وهو يقول : يا آمنة لك الهناء والبشارة التامة، فقد تشرفت بالنبي الرسول، صاحب الثناء المتوج بتاج القبول، وفي الليلة السادسة ملئت الأقطار بالأنوار، وفي الليلة السابعة سمعت ضجيج الملائكة بالتقديس، وفي الليلة الثامنة سمعت لسان الفرح والسرور ينادي ويقول : يا آمنة قرب ولادة نور النور، وبدر البدور، وفي الليلة التاسعة سمعت من ساحة اللطف، قد قرب إبان الوضع، فابشري بالسعد الدائم، وفي الليلة العاشرة اطمأنت نفسي، وكدت من شدة فرحي أن أغيب عن حسي.

وفي الليلة الحادية عشر وكانت قمراء، ولم يكن فيها شيء من الظلماء، وكان عبد المطلب قد ذهب مع جميع أهله وأولاده إلى تعمير الكعبة الغراء، وما عندي أحَد، فحصلت لي وحشة من الوحدة، وتحرك حملي برفق ولطف، فقلت في نفسي ما هذه الوحدة والوحشة، في هذه الحالة المدهشة، وليست معي امرأة تعينني في شدائد الوضع، إذ أخذني الوجع، فبينما أنا في تلك الفكرة، إذ انشق طرف من بيتي، ودخلت علي أربعة من النساء، وجوههن كالشمس، وريحهن أطيب من المسك الأنفس، غشيهن النور، لهن مشابهة لبنات عبد مناف، يخبر مظهرهن أنهن من بنات الأشراف، فتقدمت إلي إحداهن وقالت : يا آمنة من مثلك، ومن يشبهك، فإنك حملت بسيد الأنبياء والمرسلين، وحبيب رب العالمين، وجلست بجانبي الأيمن، فقلت لها : من أنت ؟ قالت : أنا أم البشر حواء، ثم تقدمت الثانية وقالت : من مثلك ومن يشبهك، وأنت حملت بالنبي الطاهر، وقعدت بجانبي الأيسر، فقلت لها من أنت ؟ فقالت : أنا سارة حَليلة خليل الرحمان، ثم تقدمت الثالثة فقالت : يا آمنة من مثلك ومن يشبهك، لأنك حملت بالحبيب المحبوب، وقعدت وراء ظهري، فقلت : من أنت ؟ فقالت أنا آسية بنت مزاحم، ثم تقدمت الرابعة وكانت هيبتها زائدة، ورونقها وبهجتها متزايدة، وقالت يا آمنة من مثلك ومن يشبهك وأنت حملت بصاحب الآيات، والمعجزات الباهرات، وسيد أهل الأرض والسماوات، يا آمنة أَلْقِ ذاتك علي، واجعلي ميلك بكليتك إلي، فقلت : من أنت ؟ فقالت : أنا مريم بنت عمران، ثم قلن لي : يا آمنة نحن قابلات حملك وخادماتك، قالت : فاستأنست بهن، وذهب ما بي من ألم الوحشة.

ورأيت في تلك الحالة ديباجًا أبيض أُرْخِيَ فيما بين السماء والأرض، وسمعت قائلا يقول : خذوه عن أعين الناس، ورأيت أشخاصا في الجو بأيديهم أباريق من فضة، ورأيت طيورًا أحاطت بحجرتي، أجنحتهن من الياقوت، وأنوفهن من الزمرد، وشاهدت أشخاصًا يدخلون حجرتي ويخرجون ويتكلمون باللغات المختلفة، فبينما أنا كذلك إذ رفع الله عن عيني الحجب، فعاينت قصور بصرى من أرض الشام، ورأيت ثلاثة أعلام قد نصبت، علم بالمشرق، وعلم بالمغرب، وعلم بالكعبة، وقد استولى علي العطش في تلك الحالة، فعرضت علي كأس شرابها أبيض من اللبن وأحلى من العسل، فأخذتها وشربتها(1).


بكمال الحبور في خير جمع = قد وضعت الحبيب أحسن وضع


مرحبا بك يا سيدنا محمد، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا رسول الله، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا نبي الله، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا حبيب الله، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا صفوة الله، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا رحمة الله، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا من اختاره الله، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا خيرة الله، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم.
السلام عليك يا رسول رب العالمين، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم
السلام عليك يا خاتم النبيئين والمرسلين، صلى الله عليك وعلى آلك وسلم.


هذا الحبيب وهذا سيد الرسل = هذا منير الدجى وسائر السبل
هذا الذي ملأت قلبي محبته = هذا الذي سهرت من حبه مُقلي
هذا الذي أنا أهواه وفزت به = يا فرحتي انفصلي يا فرحتي اتصلي
هذا الذي للهدى والدين أرشدنا = لملة شرعها يسمو على الملل
هذا الذي انشق إكراما له قمر = لما أشار له في محفل حَفِل
هذا الذي راودته الشم من ذهب = فردها وإلى الدنيا فلم يمل
هذا الذي في مقام العرض شافعنا =إذا استغثنا به من شدة الوجل
هذا الذي من به المولى توسل لم = يخب له القصد وهو مانح النحل
هذا الذي أكرم الرحمان أمته = فجل قدرهم بالعلم والعمل
بشرى لنا أمة الإسلام إن لنا = من العناية ركنا غير منفصل
لما أتانا الرسول وهو خير نبي = بِأكرم الرسل كنا أكرم الملل

__________
(1) - قال العلامة سيدي الحاج أحمد سكيرج رضي الله عنه : في هذا المحل ينبغي أن يقف قارئ المولد ويقف الحاضرون، ويسلم عليه، ويجيبون بالصلاة والسلام عليه.
قلت : مشروعية القيام في هذا المحل واحدة من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المومن إزاء النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما من امتلأ فؤاده بحب هذا النبي الكريم، وسكنت في قلبه بواعث تعظيمه وتبجيله.
ويذكر في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهى بعض الصحابة عن القيام له لدى وفوده على مجالسهم، فحدث مرة أنه وفد على مجلس للصحابة رضوان الله عليهم، فلم يقم له أحد منهم سوى سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه، وكأنه لم يبلغه ذلك النهي، فأشار له النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس، وأنه لا داعي للوقوف، فقال حسان رضي الله عنه :

أقوم إليك والقيام فرض = وترك الفرض أنَّى يستقيم
أيمكن من له عقل رجيح = ومعرفة يراك ولا يقوم

فتهلهل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وبدت على ملامحه علامات البهجة والسرور، كما دعا لقائل هذين البيتين وأثنى عليه
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق،
ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله
حق قدره ومقداره العظيم.

قالت سيدتنا آمنة : لما وضعت حبيبي محمدًا خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب(1)، وأضاءت له قصور الشام(2) حتى رأيتها، ثم نظرت إليه فإذا هو ساجد، قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل(3).


رافعا رأسه وفي ذلك الرفع إلـ=ـى كل سؤدد إيماء
رامقا طرفه السماء ومرمـ=ـى عين من شأنه العلو العلاء
وتدلت زهر النجوم إليه = فأضاءت بضوئها الأرجاء
وتراءت قصور قيصر بالـ=ـروم يراها من داره البطحاء(4)

قالت : ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقلبت من السماء، لها نور عظيم، أسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، فأحاطت به حتى غشيته، وغاب عني، ثم سمعت قائلا يقول : طوفوا به في جميع الأرض، وأعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش، وكل شيء ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم، ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وحكمة لقمان، وبشرى يعقوب، وجمال يوسف، وطاعة يونس، وجهاد يوشع، وحب دانيال، وحكم سليمان، وصوت داوود، ووقار إلياس، وقبول زكرياء، وعصمة يحيى، وزهد عيسى، وأغمسوه في أخلاق النبيئين.


به جمع الله المحاسن كلها = ولا حسن إلا ما انتمى لمحاسنه
وكل كمال فهو بعض كماله = وظاهره عنوان أسرار باطنه

قالت : ثم انجلت عني، فإذا به قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدا، ينبع من تلك الحريرة ماء، وإذا بقائل يقول: بخ بخ قبض محمد على الدنيا كلها، لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعا في قبضته، قالت : ثم نظرت إليه، فإذا به كالقمر ليلة البدر، وريحه يسطع كالمسك الأذفر، مكحلا مختونا(5) نظيفا، ما به قذر، وإذا بثلاثة نفر في يد إحداهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمرذ أخضر، وفي يد الثالث حريرة بيضاء، فنشرها، فأخرجَ منها خاتما يحار أبصار الناظرين دُونه، فغَسله من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم، ولفه في الحريرة، ثم احتمله بين أجنحته ساعة، ثم رداه إلي.


فرد به روحي إليَّ وكدت من = تزايد وجدي أن أغيب عن الحس
وكدت به من شدة الفرح الذي = عراني به أعلو على رتبة الشمس
صلى الله عليه وسلم
__________
(1) - إلى هذا النور يشير سيدنا العباس بن عبد المطلب بقوله في قصيدته التي امتدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من غزوة تبوك، حيث قال له لدى عودته من الغزوة المذكورة : يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل لا يفضض الله فاك، فقال قصيدة منها :

وأنت لما ولدت أشرقت الأر = ضُ وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النـ=ـور سبل الرشاد نخترق

أنظر زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم الجوزية، فصل رجوع النبي من غزوة تبوك، السيرة الحلبية باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم 1 : 91، الوفا بتعريف فضائل المصطفى، لابن الجوزي، أبواب بداية نبينا، الباب الثاني في ذكر الطينة التي خلق منها محمد صلى الله عليه وسلم.
(2) - إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم : رأت أمي حين وضعتني سَطَعَ منها نورٌ أضاءت له قصور بصرى. إهـ.. الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير (حر الراء) 2 : 123 رقم 6493، كنز العمال، للمتقي الهندي (المجلد الحادي عشر) 1 : 2278 رقم 31906، فيض القدير، للمناوي (حرف الراء) رقم 4359.
(3) - أنظر السيرة الحلبية، لبرهان الدين الحلبي، باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم 1 : 87، البداية والنهاية، لابن كثير 3 : 295.
(4) - الأبيات من قصيدة الهمزية للشيخ سيدي محمد بن سعيد البوصيري، رقم الأبيات من 24 إلى 27.
(5) - إشارة للحديث الشريف الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : من كراماتي على ربي أني ولدت مختونا ولم يرا أحد سوأتي. إهـ.. أنظر السيرة الحلبية باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم 1 : 86.
وقد جمع بعض العلماء أسامي الأنبياء الذين اختصوا بهذه الفضيلة وهم سبعة عشر نبيا فقال :

وفي الرسل مختون لعمرك خلقة = ثمان وتسع طيبون أكارم
وهم زكريا شيت إدريس يوسف = وحنظلة عيسى وموسى وآدم
ونوح شعيب سام لوط وصالح = سليمان يحي هود يس خاتم

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق،
ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم،
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

وقد وقع هذا كله وعبد المطلب عند الكعبة مع أهله يطوف بها تعبدًا لله وقربة، فبينما هو يطوف، وإذا بالبيت الشريف قد اهتزت جوانبه الأربع، وسمع التهليل والتكبير، وجعلت أركانه يسلم بعضها على بعض، وهي تقول : قد جاء رسول رب العالمين، صاحب النور والكتاب المبين، قال سيدنا عبد المطلب : فخرجت من باب الصفا أطلب منزل آمنة، وإذا بالأرض ومن عليها يهللون ويكبرون، ثم نظرت إلى الكعبة، فرأيت جميع الأصنام ساقطة على وجهها، فصرت أمسح على عيني وأقول : أنا نائم أم يقظان، حتى وصلت إلى منزل آمنة، فرأيت الأنوار منه ساطعة، والمسك الأذفر يفوح من حجرتها، وقائل يقول : ما الخبر ؟ فقيل له : ولد سيد البشر، فطرقت عليها الباب، فخرجت وليس عليها أثر النفاس، ثم أخبرتني بما جرى، وما بها من بأس، فطلبت رؤيته فإذا هو :


نور تكل به الأبصار عن نظر = يا حسن منظره المحوط بالخفر
سجدت لله شكرا عند رؤيته = وقلت سبحان ربي خالق الصور
فما سمعت ولا رأيت في عمري = في الدهر من يشبه الحبيب في البشر(1)

ثم حكت له ما وقع لها من المرائي من قبل، وبالإسم الذي قيل لها سميه به بعد الوضع للحمل، فقال لها : يا آمنة إنه إسم حسن يحمده أهل الأرض والسماوات، قالت : إني سمعت قائلا يقول:


أعيذه بالواحد = من شر كل حاسد
وكل خلق زائد = من قائم وقاعد
عن السبيل حائد = على الفساد جاهد
من نافث أو عاقد = وكل خلق مارد
يأخذ بالمراصد = في الطرق والموارد
أعيذه بربه = من فتنة المعاند

ثم أخذه سيدنا عبد المطلب، وذهب بِهِ إلى الكعبة، وأدخله إلى جوفها، وقام عندها يدعو الله ويشكره على ما أعطاه، فقال يومئذ :


الحمد لله الذي أعطاني = هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان = أعيذه بالبيت ذي الأركان
حتى أراه بالغ البيان = أعيذه من شر ذي شنئان
من حاسد مضطرب العينان=من حاسد مضطرب العينان

ثم أقام له عقيقة، وسماه بذلك الإسم الشريف، فقيل له : لم سميت ابنك محمدًا، ولم يكن من أسماء آبائك ولا أجدادك ؟ فقال : رجوت أن يكون محمودًا في السماء لله، وفي الأرض لخلقه، فحقق الله رجاءه فيه صلى الله عليه وسلم.

_________
(1) - ينطبق على هذا ما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، إهـ" رواه الترمذي وأحمد والبيهقي وابن حبان، ومن هذا المعنى قول الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وأجمل منك لم تر قط عيني = وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءا من كل عيب = كأنك قد خلقت كما تشاء


ومنه أيضا ما ينسب لمولاتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها :


فلو سمعوا في مصر أوصاف حسنه = لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
وصحب زليخا لو رأين جماله = لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق،
ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم،
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

ثم إن سيدتنا آمنة حصل لها على أثر النفاس ضعف وألم، شغلها عن رضاع هذا المولود المبارك، وكان من عادة أهل مكة أن يخرجوا بالأطفال إلى المراضع، وقد سبق في الأزل أنه لا يرضع هذه الدرة اليتيمة، والنفس الكريمة، غير حليمة الحكيمة، وقد نادها لسان القدر، بأن تقدم لمكة لتضفر برضاع سيد البشر، وحادي السعادة ينشد لها :


قومي حليمة إن سعدك قد طلع = ولمكة سيري فغصنك قد ينع
فإذا وصلت لها تفوزي بالمنى = برضاع من ما مثله ثديًا رضع
فلتقصديه بكل شوق إنه =في مكة نور عليه قد سطع
فهو الذي أنواره قد أشرقت = وعلى الوجود لديه جود قد همع
بشراك بالسعد الذي وافاك يا = سعدية فالخير فيه قد اجتمع
قولي لزوجك قد ظفرنا بالغنى = وبه يكون لديك رزق متسع
فالله أكرمنا به في خلقه = فله كمال الحمد ما نجم طلع

فجاءت إليه حليمة ودفع إليها، ورجعت إلى محلها بهذه الغنيمة، فقامت برضاعه أتم قيام، ورأت من بركاته ما شهد لها به الخاص والعام، إلى أن فصلته وبها البرحاء من فصاله، ولكن من شدة ما اعتراها عليه من الخوف، ردته إلى أهله محفوفا برداء جماله.

وفي السنة السادسة من مولده صلى الله عليه وسلم توفيت والدته سيدتنا آمنة(1)، وقد نظرت إليه في مرضها الذي توفيت فيه وقالت :


بارك فيك الله من غلام = يا آبن الذي من حومة الحِمام
نجا بعون الملك العلام = فودي غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام = إن صحَّ ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام = من عند ذي الجلال والإكرام
تبعث في الحل وفي الحرام = تبعث في التحقيق والإسلام
دين أبيك البر إبرهام = فالله أنهاك عن الأصنام
أن لا تواليها مع الأقوام
ثم قالت : كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة، وذكري باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرًا، ثم ماتت، فسمع نوح الجن عليها، وهاتف يقول :

نبكي الفتاة البرة الأمينة = ذات الجمال العفة الرزينة
زوجة عبد الله والقرينة =أم نبي الله ذي السكينة
وصاحب المنبر بالمدينة = صارت لدى حفرتها رهينة

وقد أحيا الله أبويه بعد البعثة، فآمنا به صلى الله عليه وسلم، فكانا من أمته كرامة لهما ومعجزة له، كما ورد بذلك الخبر، وإليه أشار من قال :


حبا الله النبي مزيد فضل = على فضل وكان به رؤوفا
فأحي أمه وكذا أباه = لإيمان به فضلا لطيفا(2)
فسلم فالإله بذا قدير = وإن كان الحديث به ضعيفا(3)

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شب في قومه في عفاف وصيانة، وله تشير أشرافهم برفع المكانة، وهو بينهم الأمين المأمون، والطالع الميمون، حتى ظهر أمره، وعم البرية بره، فدعاهم إلى الله أحسن دعوة، فأجابه كل سعيد، وخاب لأجله كل جبار عنيد، إلى أن دعاه الحق إليه، فلبى الدعوة، وترك تحت حفظ الله أمته، فهو مرشد الخلق للحق، والداعي إلى الله بلسان الصدق، صلى الله عليه وسلم.


لعمركم ما في الوجود كأحمد = ولا أحد في الخلق والخلق ماثله
فقد خصه خلاقه بشمائل = وأكرم أخلاق وحسن المجامله
فكان لكل الخلق منه تكرم = وجود به عم الوجود مناوله
وأجمع أهل الفضل أن له على = جميع الورى فضلا به الله عامله
أقر له بالفضل كل موفق = وكل دليل قاطع فيه قام له
ومن فضله قامت عليه شواهد = ببرهان صدق ليس فيه مداخله
ومن عنده من نفس كل مجادل = دليل كمال كيف فيه المجادله
أبى الله إلا أن يكون محمد = عليه مدار الكون دون مماثله
ومن نوره قد أوجد الخلق كلهم = ومنه أمد الكل كل مواصله
وأمته صارت به خير أمة = لها في مقام الفضل كل مفاضله
فأكرم بها من أمة أحمدية = به قد حباها الله حسن المعامله
فبشرى لنا بشرى لنا بنبينا = فإن له سرا به الله أوصله

__________
(1) - توفيت رحمها الله بالأبواء، وهو محل بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، وكانت حينئذ في طريقها إلى مكة المكرمة، بعدما قضت بالمدينة مدة شهر عند أخواله بني عدي بن النجار، وكانت ترافقها في هذه الرحلة خادمتها السيدة أم أيمن بركة الحبشية، وعموما فقد مرضت سيدتنا آمنة بالأبواء، وبها توفيت ودفنت، وتركت ابنها صلى الله عليه وسلم في يد خادمتها السيدة أم أيمن، التي جاءت به بعد ذلك إلى جدِّهِ عبد المطلب، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في السيدة أم أيمن : أنت أمي بعد أمي.
(2) - جاء في الحديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه طفق، أي شرع يقول : يا حميراء استمسكي، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عني طويلا، ثم عاد إلي وهو فرح متبسم، فقلت له : بأبي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إلي وأنت فرح مبتسم، فمم ذاك ؟ قال : ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها فأحياها فآمنت وردها الله تعالى، إهـ" أنظر السيرة الحلبية، لبرهان الدين الحلبي (باب وفاة أمه وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبد المطلب إياه) 1 : 172، كشف الخفاء ومزيل الألباس للعجلوني (حرف الهمزة مع الحاء المهملة) عند حديث أحيا الله أبوي النبي صلى الله عليه وسلم حتى آمن به، رقم 150.
(3) - الأبيات لحافظ الشام العلامة الشهير ابن ناصر الدين، أنظرها في كشف الخفاء ومزيل الألباس، للعجلوني (حرف الهمزة مع الحاء المهملة) لدى شرحه للحديث : أحيا الله أبوي النبي صلى الله عليه وسلم حتى آمن به، رقم 150
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق،
ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم،
وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

اللهم إنا نتوسل إليك يا ذا الجلال والإكرام ، ويا من لا معبود بحق سواه، ويا باسط الآلاء على سائر الأنام، ولا يخيب رجاء من دعاه، بجاه نبيك عليه السلام، القائل توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم، أن تكفينا ما أهم وما لم يهم في الدارين، وتغفر ما نعلم من ذنوبنا وما لا نعلم في الحالين، وأن تأخذ بيدنا وبيد والدينا وأولادنا، وأهلينا وأحبابنا، وكل من له حق علينا، وتبسط علينا خيراتك، وتوفقنا لشكرك الملحوظ بقبولك ومرضاتك، وأن تُهَدِّئَ روعتنا، وترخص أسعارنا، وتنصرنا على من عادانا، وتكفينا شر كل هم، وشر كل ذي شر، وتختم لنا بالسعادة، وتتفضل علينا بالحسنى وزيادة، واحشرنا في زمرة الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، بجاه نبيك خاتم النبيين والمرسلين، والحمد لله رب العالمين، هـ

التقريظ الأول

الحمد لله على إفضاله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، ولأديب طنجة الشريف الأصيل، الفاضل الجليل، ذي الأخلاق العذبة المذاق، الدالة على طيب الأصول والأعراق، سيدي عبد الله بن محمد بن الهاشمي الوزاني، بلغه الله غاية الأماني، في تقريظ هذا المولد اللطيف قائلا :


تأمل كتاب كمال الفرح =يزل عنك كل عنى وترح
بمولد سيدنا المصطفى = من أرشد أمته ونصح
فيا طالب العلم فارتع به = فما مثله مولد يمتدح
فلا عجب إن غَدَا روضة = فزهر المحاسن فيه نفح
لقد جمع الفضل جامعه = وفاز بنيل المنى ونجح
سكيرج أحمد من صدره = بحب النبي وذويه انشرح
أديب الزمان وعالمه = فما مثله للنبي مدح
شمائله بالتقى كملت = فتم كتاب كمال الفرح

قاله بفمه عبد الله بن محمد بن الهاشمي الوزاني لطف الله به

التقريظ الثاني

وقرظه أيضا الشاب الفقيه الأديب الغطريف محمد البيضاوي الشنقيطي بقوله


رأيت مولد خير الخلق نمقه = متوج بأكاليل وأنوار
فأظهر الدر من مكنون جوهره = من كل علم ومن أسحار الأشعار
سكيرج نصرة المختار ديدنه = لا غَرو إن نصر المختار أنصاري

وكتبه بقلمه محمد البيضاوي بن أمانة الله الشنجيطي رفعه الله.

التقريظ الثالث

وكتب عليه العلامة الذي لا يحتاج في تفضيله على غير العلامة. الفقيه الأجل، سيدي الحاج عبد الكريم بنيس، أمنه الله ورعاه ما نصه :


كمال السرور لنا والفرح = بمولد طه انجلى واتضح
وأحمد علامة العلما = أتى بكنوز المنَى والمنح
كتاب حوى جملا قد حكت = رياض تبسم لما انفتح
تخلل من نظمه بعقـ=ـود بها فاز من لعلاه امتدح
وقد طبعت بعدما كملت = فشاق لها الصدر ثم انفسح
وَلِمْ لا وتاريخه معلم = بطه زمان الشفاء وضَح
........................18 98 1113 104 =1333
عليه وآل وصحب ومن = تيممه للمنى فاقترح
صلاة تلاها السلام بلا = تناهي بها السعي منا نجح

قال وكتبه عبد ربه عبد الكريم بن العربي بنيس لطف الله به


التوقيع
يا آل بيت رسـول الله حبكـم*فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكـم*من لم يصــل عليــكم لا صلاة له

0الهواري0
مراقب عام منتدى القرآن الكريم




رقم العضوية: 7032
تاريخ التسجيل: 12-4-2008م
عدد المشاركات: 3127
بمعدل: 3.55 مشاركة يوميا
الزيارات: 1714
بمعدل: 1.95 زيارة يوميا
البلد : مصر

هوية 0الهواري0إضغط هنا لإرسال رسالة خاصة لـ 0الهواري0إضغط هنا لإرسال بريد لـ 0الهواري0الصفحة الشخصية او المفضلة لـ 0الهواري0 .. عدد مرات زيارة هذا الموقع: 309ابحث فى مواضيع العضو 0الهواري0تحريرإقتباس

31-7-2010م 18:53 م

|

إرسل الموضوع لصديق

«««««««« الرد السريع »»»»»»»»

شمس المعاني
COPYRIGHT © 2002-2003 BY KHALED MAMDOUH.All rights reserved.
POWERED BY: VBZooM V1.11 www.vbzoom.com